محمد راغب الطباخ الحلبي
427
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
ثم عاد إلى حلب سنة 1291 وأخذ في نشر العلم ، وهرعت إليه الطلاب . وبعد مجيئه بأشهر قلائل عيّن مفتيا لحلب ، فبقي نحو سنتين ثم عزل بالحاج عبد القادر أفندي الجابري المشهور بحاجي أفندي . وبعد سنتين أعيد إلى منصب الإفتاء وبقي إلى سنة 1304 ، ففيها عزل حينما عزل والي الولاية جميل باشا وعيّن موضعه الشيخ أحمد الزويتين . كان رحمه اللّه مربوع القامة أبيض اللون ، ذا شيبة نيرة ، بشوشا دمث الأخلاق ، حسن العشرة . وعين مدرسا للمدرسة القرناصية يقرأ فيها الفقه الحنفي وغيره ، ومدرسا في الجامع الأموي يقرأ فيه درسا عاما أمام الحضرة النبوية . ومن تلامذته الشيخ علي العالم قاضي حلب الآن ، والشيخ نجيب سراج واعظ الديار الحلبية ، والشيخ راجي مكناس ، والشيخ وحيد حمزة ، والشيخ أحمد الشماع ، والشيخ بها الكاتب وغيرهم . واشترى دار الحاج أحمد الصابوني الشهيرة في محلة باب قنسرين ، وقد تكلمنا عليها في ترجمته ، ولم ينجح المترجم بعد شرائها ، فإنه عزل على إثر ذلك . وكان بينه وبين سيدي الوالد مودة أكيدة ، واستصحبني غير مرة لزيارته في داره هذه وأنا صغير ، فكنت أرى فيه من البشاشة والملاطفة ما لا مزيد عليه ، ولم يتسن لي الحضور عليه لأني ابتدأت في الطلب قبيل وفاته وكنت أقرأ في مبادئ العلوم . وله رسالة في علم الفرائض وتعليقات على دلائل الخيرات مطبوعة على هامشها في الطبعة التي طبعت سنة 1277 ، وذكر أنه اقتبس ذلك من شرح العلامة الفاسي والشيخ سليمان الجمل والشيخ حسن المدابغي والعلامة السملاوي . وله رسالة سماها « كشف الران عن وجه البيان » وهي شرح لمنظومة للشيخ الأكبر في علم الزايرجة رأيتها وهي في 35 صحيفة . وكان رحمه اللّه كثير اللطف بالطلبة عظيم الرأفة بهم ، حتى إنه كان إذا جاءه المتولي على المدرسة القرناصية بوظيفته يسأله هل أعطيت المجاورين ، فإن قال له نعم يأخذها حينئذ وإلا قال له : أعط الطلبة وأخرني فإنهم أحوج مني ، إلى غير ذلك من مآثره الحسنة . ولم يزل دائبا على التدريس والإفادة إلى أن توفي ثاني عشر شوال سنة 1312 ودفن في تربة الكليباتي خارج باب قنسرين . وكانت وفاته في جنينته المعروفة بجنينة التقي ،